المقريزي

197

إمتاع الأسماع

وقال محمد بن عبد الملك بن هشام ، عن زياد بن عبد الله البكائي ، عن ابن إسحاق : وأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم عند ذلك في الهجرة وكان أبو بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه رجلا ذا مال ، فكان حين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة قال له : لا تعجل ، لعل الله يجعل لك صاحبا ، فيطمع [ أبو بكر ] بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعني نفسه حين قال ذلك ، [ فابتاع ] راحلتين ، فحبسهما في داره يعلفهما إعدادا لذلك . فحدثني من لا أتهم ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تبارك وتعالى عنها ، أنها قالت : كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه ، أحد طرفي النهار ، إما بكرة ، وإما عشية ، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله في الهجرة والخروج من مكة ، من بين ظهري قومه ، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة ، في ساعة كان لا يأتي فيها ، قالت : فلما رآه أبو بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه قال : ما جاء رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] هذه الساعة إلا لأمر حديث ، قالت : فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس عند أبي بكر إلا أنا ، وأختي أسماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرج عني من عندك ، فقال يا رسول الله : إنما هما ابنتاي ، وما ذاك ؟ فداك أبي وأمي ، قال : إن الله عز وجل أذن لي في الخروج والهجرة . قالت : فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ، قال : الصحبة ، قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم ، أن أحدا يبكي من الفرح ، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ، ثم قال : يا نبي الله ، إن هاتين راحلتان ، كنت أعددتهما لهذا . وفي ( طبقات ابن سعد ) : أن ثمنها ثمان مائة درهم ، اشتراهما من نعم بني قشير ، فأخذ صلى الله عليه وسلم القصواء بثمنها . قال ابن هشام : فاستأجرا عبد الله بن أريقط - رجلا من بني الديل من بكر ، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو ، وكان مشركا يدلهما على الطريق ، ودفعا إليه راحلتيهما ، وكانتا عنده يرعاهما لميعادهما .